الأحد، 15 يوليو، 2012

همسات اخيره








امممم  لماذا لا يستطيع النوم ...
هكذا سأل نفسه ..
منذ ثلاثة ايام ولم يستطع النوم....
منذ ان اعلنوا عن انتهاء العالم ...
أهى حقا النهاية ؟

أعتدل من رقدته وجلس على طرف سريره...وهو يحدث نفسه للمره المليون منذ ان سمع الخبر..
كيف تأتى النهاية هكذا ؟؟

كيف  لا نستطيع ان نهزم هذا النيزك..بكل ما وصلنا له من علوم ...
سبحان الله ..
كومه من الصخور ..ستقضى على حياه الملايين ..ليس ذلك وفقط...
ستقتلع كوكبنا من مكانه...
ذهب  أبعد بتفكيره ..
ماذا سيحدث لو ذهب هذا الكوكب من مكانه فعليا...ماذا سيحدث لو اختفى كوكب الأرض !!
هل ذلك سيؤثر على باقى المجموعه الشمسيه....!!!
هل ستتجمع مجموعه صخور اخرى ..مكونه كوكب جديد ..ويخلق الله لها خلقا جديدا؟
يأس من محاولات التفكير فى انقاذ الكوكب أو التفكير فى ماذا سيحدث بعد الاصطدام
وقرر أن يقضى يومه الاخير فى  فعل أشياء يحبها ...
فلماذا يحزن ؟؟!
الدنيا كثيرا ما ابكته..وأبكت الملايين ....
قد يكون أحب أشياء كثيرة فى الدنيا..لكنه سيفارق ما يحب..ليذهب الى أفضل منه
هكذا الدنيا وداع دائم......

ثم انه اشتاق لأحبائه ..
هو الان فى اوائل الخمسينات ..يعيش وحيد
لا زوجه.....
 لا ابن ..
لا اهل ...
الكل رحل وتركه...
وكأنما سئموا العيش معه...
فــ ماذا بعد الاهل والأحباب...
فــ نحن نشعر بمعنى الدفء فى قرب الاهل والاحباب ....فقط

الى جانب انه لا يوجد اصدقاء.....فهو لا يستطيع ان يستخدم المهارات البشرية من مجاملات ونفاق من أجل اكتساب الاصدقاء

نفس عميق ...
وتنهيده حارة ..
لماذا الحزن الان ؟!!
ألم تقل انك تريد ان تذهب لهم ..
ها انت ذاهب
انتبه الى فكره انه ذاهب لهم...استعاد نشاطه فجأة ..أضاء حجرته..نظر لنفسه فى  مرآته...
لاحظ خطين من الشيب يمنحانه وقار معقول...تحسس ذقنه...وتمتم ..يجب تهذيب هذه .....
نظر الى انتفاخ تحت عينه اليسرى من اثر عدم النوم....وتذكر كم كان يضحك على النساء كيف يستعملن الخيار وأشياء أخرى فى تخفيف اشياء لا يعلمها من وجههم ..وكيف كان يضحك من ذلك !!
تحسس عينه اليسرى ...وتذكر كيف فقدها فى ثوره مرت منذ ما يقرب من ربع القرن...وتذكر رفاق دربه الذين فارقوا الحياة...وتذكر من تسببوا فى ذلك ..
وكيف لم يحاسبوا .....
وابتسم

فــ مع كل المرارة التى يشعر بها ...إلا انه يعلم ان ما عند الله باق....وها هى النهاية قد أتت ..وسينال كل منهم حسابه من رب العالمين

وفكره ان يقابل رفاقه بعد كل  هذا العمر ..فكره تسعده ...
امم..اذن كيف ستقضى هذا اليوم ...تمنى لو كان فى شبابه ..بالتأكيد كان سيختلف تفكيره فى قضاء اليوم الاخير.
لا شيء هناك ..إلا البحر...ولا شيء يستحق مجالستى فى اخر يوم..إلا البحر...فقد تحمل كثيرا من شكواى ...فما اجمل النهاية على شاطئ البحر
تذكر الشروق...انه اخر شروق

صعد الى اعلى منزله مسرعا ليرى الشروق....
الشروق الاخير...
انه حتما شروق مختلف...
سيكون شروق بطعم الغروب ..
طعم الوداع..
شروقا يضيء..
ويسقط ندى ..
بطعم البكاء ..
طعم الرحيل

اى شروق هذا الملبد بكل هذه الغيوم .....!!!!

اطلق سراح طيوره ....اراد  لهم يوما مختلفا...فليتمتعوا بحريتهم ولو ليوم اخير...وقف دقائق يتابعهم محلقين فى السماء فرحين...
ربما يعلموا انها النهاية..
وربما لا...
ولكن لابد لهم من التحليق فى هذا اليوم لأبعد ما يمكنهم الوصول له ..
ليته يستطيع اخبارهم ذلك
ارتدى افضل ثيابه ..
احتفظ بصور كل احبائه قريبا من قلبه
مسح على رأس زيكو ..
صديقه القط...
صديقه الوحيد ..
حاول ان يطلق سراحه خارج المنزل حتى يقضى يومه الاخير كما يحب...لكنه يرفض الذهاب..يبدو انه متمسك بصداقتهم الى النهاية....

نقل كل ما يريد الى سيارته...استعداد للذهاب الى اخر مكان ستطؤه قدمه...
نظره اخيره الى حديقة منزله ...تفقد كل الزهور التى طالما اعتنى بها ...
نظره اخيره ..وذهب بسيارته
.............................................................




الشاطئ خالى تمام من البشر..يبدو ان الكل نفذ ما دعت اليه وسائل الاعلام بأن يجتمع الجميع فى مكان واحد

ولكنه اراد نهاية مختلفة
كما عاش وحيدا...
سيموت وحيدا....

اقترب بسيارته من الشاطئ أمام البحر وجلس ينتظر النهاية..
وأغلق عينيه يستعيد بعض الذكريات

طفولته...
شبابه...
الاشياء التى أحبها
والده...
والدته...
عائلته....

تذكر اوقات الفرح ...

اوقات الحزن...
وما اكثرها

ابتسم ..اخيرا سيقابل احبائه
هواياته ..
كم احب التصوير والكتابة... ظل يردد طوال حياته انه لم تتح له الفرصه للدراسة فى اى  منهم ..او يتعمق فيهم .. مع وجود الوقت امامه ..إلا انه لم يتعمق...انه النصيب
او ربما انشغاله الدائم بعمله
او ربما كما يقول دائما ان الدنيا لم تعطه الفرصه لأى شيء يحبه مطلقا..
وقد اعتاد ذلك

فلماذا البكاء عليها اذن ؟ !!!

نظر للأمواج المتلاطمة فى غضب أمامه ....وطائر النورس يحلق فوقها...يسعى لالتقاط طعامه منها...

تعجب .. المنظومة جميعها تمشى وكأن شيء لن يحدث...الانسان وحده من جلس فى انتظار النهاية ...
طيوره انطلقت تحتضن السماء ...
النورس يمارس محاولاته اليوميه فى العثور على طعام ...
الشمس أشرقت ..وان كان شروقا باهتا ...
حتى زيكو ..
يلعب الى جواره بكره من الفراء...
هل هذا ايمانا منهم بما سوف يحدث..

ام انهم لا يدرون ..!!

تذكر انه احضر خبزا لإطعام النورس ... اخذ الخبز واقترب من المياه لإطعامه ...كم كان يعشق تلك اللحظات التى يرمى بما فى يديه للطائر الجميل على سطح المياه ..فيسقط الطائر الى جوارها ويأخذها ويطير مره اخرى ...ربما لا يدرى ما سر السعادة فى ذلك ...

ولكنه متأكد من انه مصدر سعادة .

لماذا يبحث الان عن تفسير لما يحدث فى الدنيا ...وهو الذى لم يستطع يوما ان يفهمها...

"اعطوا الدنيا على قدر عمرها...وان عمرها والله قليل"
تذكر هذا القول ..وهو فى طريقه عائدا الى سيارته ...
وتمتم ..حقا ..قليل

تفكير ان اجمل ما فى الاحداث ..انه سيستريح من ...

 المنافقين

الوصوليين

جامعى الاموال

واكلى حقوق الفقراء
سيفقدون كل ما جمعوا ...
كل ما تركوا القيم والأخلاق من أجله ...ولن تنفعهم كنوزهم ولا مناصبهم
لا توجد وساطة الان ...فالكل اما قدر الله واحد
سيستريح من ظلم العالم ..وعدم تقديره
من كل مواقف الغدر والخيانة ...من كل الجراح التى سببها هذا او ذاك
وجد نفسه ينفجر ضاحكا ..من صدمة هؤلاء وندمهم على افعالهم
ومع كل دقيقة تمضى ...يزداد يقينه بان تلك الحياة فعلا لم تعد تستحق الاستكمال
لم يفكر يوما ان فى الموت راحة من كل هذه الامراض
ولكن ما شغل تفكيره فعليا منذ بداية الاحداث...هل ستتوقف الحياة تماما..ام ان الحياة ستستمر بخلق جديد...
ام ان هناك من سينجو على هذا الكوكب البائس ..ليبدؤوا حياه جديدة....
الامر محير ..
كل الدلائل تقول ان الكوكب سيمحى تمام من الوجود..ولكن ليس كل شيء يمكن توقعه ...
سبح فى افكاره ...وغفلت عيناه لفترة من الزمن ...
استيقظ فجاه على هزة ودوى عنيف ...نظر حوله ..وجد السماء بلون مختلف ....
وأشياء تسقط من السماء......لاحظ اقتراب زيكو منه وانكماشه ..
احتضنه ...
لاحظ ارتفاع الامواج وتلاطمها بشده مع ارتطام الصخور الساقطة ...
جلس مكانه محتضن قطه..وهو فى انتظار ان يكون الصخر  القادم من نصيبه

فجأة ارتفعت الامواج ....وظلت ترتفع ...وهو يراقبها ...

و هوت

مره واحده

و

وانتهى كل شيء

 -------------

خالد ناجى


0 التعليقات:

إرسال تعليق